مقالات للكاتب

قضايا وآراءعلى بالي
الأخبار

28.03.2025

قضايا وآراءعلى بالي
الأخبار

25.03.2025

قضايا وآراءعلى بالي
الأخبار

24.03.2025

أسعد أبو خليل

السبت 4 كانون الثاني 2025

شارك المقال

هل نحن في مرحلة تُشبه 1967 أو 1982؟

(أ ف ب)
(أ ف ب)


يستعين المرء بالمقارنات التاريخيّة التي عاصرها من أجل استيعاب الصدمات السياسيّة والانكسارات العسكريّة ولاستخلاص الدروس والعِبر. الذي مرَّ في السنة الماضية ليس عادياً، بأيّ معيار. يقول صديق عزيز شارك في النضال الفلسطيني: لماذا كلّما نقترب نبتعد؟ الشعور بالإحباط والهزيمة منتشر كما الشعور بالشماتة والتشفّي عند فريق الصهيونيّة العربيّة (أتباع السعودية والإمارات). في أيّ مرحلة تاريخيّة نحن؟ سألتُ المؤرّخ الفلسطيني وليد الخالدي قبل أسابيع عمّا إذا كانت المقارنة مع النكبة تجوز بالنسبة إلى حرب الإبادة في غزّة. رفض الخالدي المقارنة، وقال إنّ عدد ضحايا النكبة بلغ نحو ألفَي فلسطيني وفلسطينيّة، فيما نقترب اليوم من خمسين ألف ضحيّة في غزّة وحدها. لكنّ الخالدي يذكّر بفداحة الخسارة الكبرى وخصوصيّتها في 1948: خسرناً وطناً بأكمله وهذا حدث لا يُقارَن بحجمه.


حسناً، إذا لم تَجُزِ المقارنة بالنكبة الكبرى فهل تجوز المقارنة بـ 1967؟ أوجه الشبه والاختلاف متعدّدة. في الاختلاف: بقي زعيم محور المقاومة حيّاً في 1967. صحيح أنّ عبد الناصر تنحّى، لكنّ الجماهير في كلّ أنحاء الوطن العربي رفضَت استقالته وأصرّت عليه أن يبقى في موقع القيادة. اليوم خسر محور المقاومة قائده الأبرز، ودور القائد في حركات المقاومة والتحرّر لا تدركه التحليلات الماركسيّة عن حركة الشعوب. لم يعد هناك شكّ أنّ حسن نصر الله كان هو قائد المحور الأبرز. في لبنان، حيث الناس لم تألف إلّا الأتباع الأذلّاء للأنظمة، نشروا مقولة أنّ نصر الله ليس إلّا تابعاً لإيران. نتنياهو صارح الجمهور الإسرائيلي والأميركي بالحقيقة: أنّ نصر الله لم يكن فقط قائدَ حزب الله بل قائدَ المحور بأسْره، وأنّه لم يكن متأثّراً بإيران بقدر ما كان هو يؤثّر في السياسات الإيرانيّة. كان يمكن من معاينة صور نصر الله مع كل المسؤولين الإيرانيّين (بمن فيهم سليماني) ملاحظة موقع نصر الله الأبرز. خسر المحور أبرز قائد للمقاومة وأفعل قائد منذ النكبة. لم يأخذ العدوّ زعيماً على محمل الجدّ كما أخذ نصر الله لأنّه كان الأفعل، ولم تكن شخصيّته تحمل ذرّة من تهريجيّة ياسر عرفات أو من مسرحيات الشقيري الخطابيّة أو من التهديدات الفارغة لزعماء حزب البعث. لم تتجشّم حكومات الغرب وإسرائيل عناء الرصد والترجمة الدقيقة (وحتى البثّ الحيّ) إلّا لخُطب نصر الله. هذه الخسارة بحدّ ذاتها أفدح من خسارة 1967. لو أنّنا خسرنا عبد الناصر في 1967 لكان وقع الهزيمة أعمق ممّا كان.


لكنّ العرب خسروا أراضيَ لبنانيّة وسوريّة وفلسطينيّة ومصريّة. في هذه الحرب لم نخسر أكثر ممّا خسرنا عند اندلاع الحرب. غزة لم تكن مرّة مستقلّة منذ 1967 وخديعة الانسحاب الإسرائيلي في 2005 لم تنطلِ إلّا على إعلام الغرب والليبراليّين العرب المنضوين في محور التطبيع. في لبنان لم نخسر أرضاً في هذه الحرب، والعدوّ يعلم أنّ ثمن احتلال أيّ قطعة أرض من الجنوب سيكون باهظاً جدّاً، وخصوصاً أنّ مقاتلي الحزب يترقّبون الفرصة للانتقام من جيش الاحتلال. الاحتلال الوحيد الذي وقع حتى الساعة هو في سوريا بعد تحريرها من قِبل قوّات «القاعدة» سابقاً.


لكنّ الفارق كبير بين اللّحظة التاريخية و1967. في 1967 كان المثقّفون العرب بأسْرهم مع مشروع مقاومة إسرائيل (حتى الكُتّاب في الصحف المُمَوَّلة من أنظمة الخليج، مثل «النهار» و»الحياة» وغيرهما لم يجرؤوا يومها على معارضة المشروع). المزاج الشعبي العربي كان في خطّ الثورة، والاحتجاج والتظاهرات عمّت البلدان العربيّة. شعارات الثورة والمقاومة ورفْض السلام مع إسرائيل كانت تعمّ المنطقة. حتى لاءات الخرطوم التي تبدو اليوم متطرّفة بمنظور السياق التاريخي الحالي لم تلبِّ الطموحات الشعبيّة العربيّة التي رفضت فكرة التفاوض من أساسها. منظّمة التحرير كانت في طَور الانتقال من يد أحمد الشقيري إلى يد قائد حركة تحرّر فلسطيني تَعِد بالكفاح المسلّح طريقاً واحداً للتحرير. اليوم، معظم الكُتّاب والمثقّفين العرب هم في صفّ التطبيع الابراهيمي الانهزامي.


وفي عام 1967 تقدّم العدوّ بسهولة سمحت له بالنصر في أيّام قليلة (لا يزال الصهاينة يتلذّذون بإطلاق اسم «حرب الأيّام الستّة»). مشاهد انسحاب الجيش المصري (بالآلاف) من سيناء وأيديهم فوق رؤوسهم حفرت عميقاً في أذهان العرب في تلك الحقبة، وأصبحت صورة العرب في الغرب هي صورة الضعيف المُستسلم أمام الإسرائيلي الجبّار الذي حوّل ضعفَه (المفترض بناءً على الدعاية الصهيونية قبل الحرب) إلى عنصر دعاية. صورة العربي بأنّه لم يُقاتل انتشرت في الثقافة السياسية العربيّة. هذا غير صحيح طبعاً؛ لأنّه كان هناك قتال على الجبهة السورية والأردنيّة والمصريّة بدرجات متفاوتة، لكنّ التفاوت بين القدرات العسكريّة كان كبيراً واستفادت إسرائيل من عنصر المبادرة. هذا العنصر أفاد العدوّ في هذه الحرب ضدّ لبنان، حيث اختار هو زمان المعركة ومكانها ضدّ الحزب، فيما افترض الحزب أنّ العدوّ لن يخرق قواعد الاشتباك. في هذه الحرب، كان القتال بطولياً والصمود أسطورياً في جبهة الجنوب وجبهة غزة. الجيوش هي التي باتت ترتبط في أذهان العرب بالخنوع، والجيش اللبناني (بناءً على أوامر أميركية صارمة) امتنع عن الرد، ولو برشقة رصاص، على النيران الإسرائيليّة ضدّ مواقعه. زادت قناعة العرب بأنّ القوى غير النظاميّة هي وحدها التي تجرؤ على منازلة العدوّ، ومقاتليها ينشرون الرعب في صفّ جيش العدوّ. هذا المتغيّر هائل في سياق الصراع العربي - الإسرائيلي.

الشعور بالهزيمة منتشر، وهناك قوى وشخصيّات وكُتّاب على أهبة للمضيّ في مشروع «النقد الذاتي بعد الهزيمة» على غرار ما فعله أدونيس وصادق جلال العظم بعد 1967


هل نحن مثلاً أمام تجربة صيف 1982؟ هناك أوجه اختلاف وتشابه. في صيف 1982، كان هناك فريق لبناني عريض (معظم المسيحيّين وحتماً معظم شيعة الجنوب ويزبكيّو الدروز) مُناصراً لإسرائيل. وفي صيف 1982، كان هناك تعاون عسكري (من قِبل القوّات اللّبنانيّة وبعض فِرق الجيش) مع العدوان في الاجتياح. في هذه الحرب، كان قطاع كبير من اللّبنانيّين مُسهِمين إعلاميّاً ودعائيّاً في المجهود الحربي الإسرائيلي. لم يُترجَم ذلك إلى مواجهة عسكريّة لأنّ معظم الشيعة بقوا على ولائهم للثنائي.
أمّا أداء القوات المشتركة في 1982، فكان أقرب إلى 1967. كان هناك استسلامات وانسحابات سريعة (وخصوصاً من قِبل «العمود الفقري للثورة الفلسطينيّة» أي حركة «فتح» بالرغم من بطولات المقاتلين الفرديّة في كلّ التنظيمات، بما فيها حركة «فتح») وكان هناك سقوط ذريع لكلّ الخطط العسكريّة الموضوعة على ورق (وكان معظمها ذا طابع نظري). لا يقلّل المرء من بسالة مقاتلي القوات المشتركة: حتى أشبال عين الحلوة حقّقوا المعجزات. في هذه الحرب، المقاتلون تشبّثوا بالأرض وقاوموا ببسالة - كما وصف عامر محسن في مقالة أخيرة له (عن الصين؟) - في ظروف صعبة للغاية. بعدما دمّر العدو معظم المنازل والمواقع المحصّنة وخزائن الأسلحة، خرج المقاتلون من القرى وظلّوا يقاتلون ويمنعون العدوّ من إرساء احتلاله في الجنوب (هو استعرضَ فقط بعد وقْف النار وبعد التزام الحزب بتوقيع لبنان).


فارِق آخر أنّ العدوّ أنشأ حُكماً سياسيّاً في لبنان ونصَّب رئيسَي جمهوريّة من العائلة نفسها. وكان لحلف الأطلسي وجود عسكري في لبنان آنذاك. وبالرغم من ذلك، تطوّرت حركة مقاومة فاعلة بسرعة وتمّ طرْد القوّات الأميركيّة من لبنان في غضون عامَين بعدما شاركت تلك القوات في الحرب الأهليّة في محاولة لفرض حُكم الجميّل على اللّبنانيّين. وفي هذا درس للّذين يحلمون بجعل اللّجنة المُشرِفة على تطبيق القرار الأخير هيئةً آمرة في الحُكم السياسي وفي عزل حزب الله وفصلِه عن السياسة والمقاومة في لبنان. هذا من المحال. في عام 1982، أنهى الاحتلال المقاومة الفلسطينيّة بالكامل ورحّل كلّ مقاتليها في بواخر إمعاناً في الإذلال (وأصرّ عرفات على نصرِه كعادته في الملمّات)، لكنّ قوات الحركة الوطنيّة و»أمل» ثارت ضدّ حُكم أمين الجميّل وانتصرت عليه.


المهم هو استخلاص العبر والدروس بسرعة. النظام المصري تعامل بجدّية وذكاء مع مترتّبات الهزيمة ومضاعفاتها في 1967:
١) هو رفَض ترجمة الهزيمة إلى انهزام واستسلام سياسي، ورفع شعار اللاءات الثلاث. وحتى عندما قبِل بمبادرة روجرز، لم يقبل بأيّ تنازل سيادي يُذكر. على العكس، فإنّ عبد الناصر بقي حتى ساعاته الأخيرة يصرّ على ربط قضيّة فلسطين بقضيّة الأرض المصريّة.
٢) هو غيّرَ الطاقم المسؤول عن الهزيمة وأقصاه عن الحُكم ورفع إلى موقع المسؤوليّة العسكريّة طاقماً جديداً لم يكن مرتبطاً بالسلطة الفاسدة السابقة. الحزب اليوم في موقع مختلف لأنّ العدوّ استطاع أن يقتل معظم القادة (العسكريّين والسياسيّين)، لكنّ المحاسبة تبقى واجبة وضروريّة لمصلحة بقاء المقاومة وتعزيزها. إنّ الجيش الذي حقّق نجاحات وإنجازات في 1973 كان جيش عبد الناصر.


٣) عبد الناصر حارب ثقافة الانهزامية وشرح - وعن حقّ - مخاطر الاستهزاء والنُّكَت التي تنال من معنويّات الجيش المصري.
أمّا ياسر عرفات، فلم يدرس تجربة هزيمة 1982 ولم يقبل حتى بمراجعة، لا بل هو وقف في وجه الذين طالبوا بالمحاسبة وخوّنهم. عرفات وضع الحاج إسماعيل (القائد العام للقوّات المشتركة في الجنوب) في موقع أمني رفيع في رام الله بعد إنشاء سلطة التعاون مع الاحتلال. الدرس الوحيد الذي استخلصه عرفات كان في عدم جدوى الكفاح المسلّح، وأنّ الاستسلام هو الطريق الوحيد لتحرير قطعة أرض صغيرة من أرض فلسطين (تحريرها مع الحفاظ على الاحتلال الإسرائيلي عليها). كما أنّ عرفات رأى، تماماً مثل السادات، أنّ كلّ الأوراق هي في يد أميركا وأنّ التسليم بمشيئتها هو الحلّ.


الحزب اليوم ليس في موقع يستطيع فيه أن يغيّر من الثقافة السائدة. الإعلام المُهيمِن يخضع لسيطرة أعداء المقاومة (في قطر والسعودية والإمارات) وهذا الإعلام (وبدرجات متفاوتة ومختلفة) يخدم المجهود الحربي للعدوّ ويسعى للقضاء على فكرة المقاومة في الثقافة السياسيّة العربيّة. وإعلام المقاومة لا يتوجّه لغير المناصرين والمتحزّبين، وهو أثبت فشلاً ذريعاً في تغيير الرأي العام، ومن المشكوك فيه أنّه حاول في يومٍ ما كسْب تعاطف من خارج نطاق الحزب الضيّق.


الشعور بالهزيمة منتشر، وهناك قوى وشخصيّات وكُتّاب على أهبة للمضيّ في مشروع «النقد الذاتي بعد الهزيمة» على غرار ما فعله أدونيس وصادق جلال العظم بعد 1967. التهشيم في الشخصيّة والثقافة العربيّة سيكون من الأولويّات تماماً كما كانت الحال في 1967 (تطوّع غسان كنفاني ومنير شفيق للردّ على خطورة أطروحات العظم مبكّراً، فيما احتفل اليسار واليمين العربي بها). الحُكم الخليجي التطبيعي منخرط في مشروع فرْض الهيمنة الإسرائيليّة على كل المنطقة العربيّة، ولبنان سيُجرّ جرّاً إلى الاتّفاقات الابراهيميّة. التحدّي الأكبر سيكون في التخلّص من مزاج الهزيمة من دون المبالغة والإفراط في مصطلحات النصر. لكنّ التحدّي الأكبر يكمن في الاتّعاظ من المرحلة السابقة والقطع مع كلّ ما شابها من أخطاء وظواهر مُضرّة، وتعزيز عناصر القوّة والصمود في حركة مواجهة الصهيونيّة.
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي